|
سأتناول في هذا المقال الانتفاضة الحالية من مختلف
جوانبها. وسأركز بصورة خاصة
على الجانب الإعلامي في الانتفاضة ووساحاول الإجابة على عدد من
المسائل ذات
الأهمية والمتعلقة بدور الإعلام في المتابعة والتأثير على
مجريات العمل الانتفاضي
ميدانياً وسياسياً. علماً بأنه في ظل
التقدم التكنولوجي الهائل في مجال تقنيات
الاتصالات وتداول
المعلومات أصبحت الحروب والصراعات تدار في قسم كبير
منها عبر وسائل الإعلام، التي تعدى دورها ووظيفتها نطاق
النقل
والتغطية
الاعتيادية. وإذا كان الحديث يدور عن الإعلامفهذه المسألة
تتشعب إلى موضوعات
عديدة منها ما يتعلق
بدور الإعلام الصحراوي الرسمي والخاص ومدى نجاحه في
مواكبة الانتفاضة كحدث جلل بالغ الأهمية في إطار النضال
الوطني الصحراوي،
وكذلك دور الإعلام العربي ووسائل
الإعلام الأجنبية، وارتباط المواكبة بالحدث
على الأرض، والثغرات والقصورات في الأداء الإعلامي الصحراوي
إن وجدت،
وقضية التوظيف السياسي للمادة الإعلامية المنتقاة، وكيفية
النهوض بالمؤسسة
الإعلامية.
أولاً أريد أن أتوقف قليلاً عند تسمية المقال الإعلام
والانتفاضة، وأسأل هل أن الحقيقة أن العنوان هو المقصود
معالجته أم العكس أي الانتفاضة والإعلام، والمفهومان يختلفان
عن بعضهما البعض، فإذا قلنا الإعلام والانتفاضة سلمنا جدلاً
بأن الإعلام كان له تأثير كبير على الانتفاضة أو أنه ساهم في
صناعتها، ولكن إذا قلنا أن المقال بعنوان الانتفاضة والإعلام
يعني ذلك أننا أدخلنا مصطلح الانتفاضة على أنها أوجدت إعلاماً
خاصاً بها، وهنا اسمحوا لي بأن أعود قليلاً إلى الانتفاضات
الصحراوية والأشكال الإعلامية التي ترتبت عليها، أولاً لقد
كان لإعلام الانتفاضة الصحراوية السابقة –انتفاضة أسا الصامدة
- وليست الأولى كما يحلو للبعض أن يسميها شكلاً مميزاً عن أي
إعلام آخر من وسائل الإعلام الصحراوية ، حيث خلقت الانتفاضة
في1992 إعلاماً متميزاً اتخذ الأساليب الإعلامية البسيطة
والأولية التي أحدثت تأثيراً مباشراً في قلب العدو وفي نفوس
الجماهير الصحراوية، وكان لهذه الانتفاضة طعم ومذاق أوجد
الكثير من التعاطف والتأييد والتقليد في نفس الوقت، ولكن هذا
الإعلام في انتفاضة 1992 ما يزال مختبئاً لم يجد من يعالجه أو
يحلله، فمن هنا ظلم الإعلام الانتفاضة في 1992، أما الانتفاضة
والإعلام في هذه المرحلة، أي مرحلة التطور التكنولوجي وتمكن
الصحراويين من التقنية الجديدة الانترنت، وما أوجده التطور
التكنولوجي من تقدم هائل فقد استطاعت الانتفاضة أن تخضع جميع
التقدم التكنولوجي إلى فعلها النضالي الميداني ومن هنا كان من
الجدير أن نناقش هذا الموضوع، إلى أي مدى نجحت الانتفاضة في
خلق إعلام متطور يتماشى أو يتناسب مع التقدم التكنولوجي؟ إن
الانتفاضة الحالية مرت بعدد من المراحل، أولاً مراحل الإعلام،
المرحلة الأولى لاحظنا التغطية الإعلامية العالمية المكثفة
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من خلال التواجد الهائل لوسائل
الإعلام وتقنياته الحديثة، والمرحلة الثانية التغطية العربية
الإعلامية التي اتسمت بالسكوت المتآمر أو الغير البرئ أيضاً،
المرحلة الثالثة التكثيف الإعلامي الصحراوي بعيداً عن الصورة
وكثرة في التحليل والتفسير بعيداً عن قلب المسؤولية مما دعا
الكثير من مناضلي الانترنت الذهاب في اتجاهات سياسية ليس لها
بعد ميداني على الأرض، وهلهلة الخطاب الإعلامي الرسمي غير
المشبع والمقنع وغير المتوافق مع النبض الجماهيري، المرحلة
الثانية، نجوم الإعلام في سماء الانتفاضة، فقد أعطت الانتفاضة
مجالاً رحباً للنجومية الإعلامية تمثل ذلك في النبض الشعبي
الميداني والأبرز في ذلك شخصية علي سالم التامك ومنتو حيدار
وبعض الطلبة الصحراويين والمعتقلين السياسيين الذين هم اليوم
هدف السجان المغربي. دون أن ننسى الأصوات المتميزة لمراسلي
الإذاعة الوطنية والمواقع الالكترونية كمواقع الحركة الطلابية
الصحراوية وموقع انتفاضة ماي. ظهرت كذلك النجومية
الأيديولوجية، حيث لوحظ لمعان التحليل اليساري الذي جعل من
نفسه منبع التفسير السياسي، وأصل القرار ولسان التوعية،
وبالطبع لذلك تفسير من جانبين أولاً هيمنة اليسار على الرسمية
الإعلامية، ثانياً، ضعف التغطية الرسمية لجل المواقع
الالكترونية وتطبيعها بالطابع الرسمي، الملتزمة بالرسمية
الوطنية. والنقطة الثالثة، الفئة المثقفة الصحراوية مشغولة في
ذاتها دون برنامج ودون هيكل ودون هدف أو دعوة لنداء يفعل شيء
أو حتى دعوة لإطار عربي أو عالمي، وفق خطة مدروسة من السهل
جداً إعدادها وتحقيقها، غابت الأطر المعطلة الصحراوية من
احتواءها على نماذج رائدة اكتسبت القدرة على توعية الجماهير
في فترة الدراسة في الجامعات، ولكنها مشغولة في غير الإعلام
وغير الوظيفة الأساسية للإعلام والخطاب الإعلامي، وهي بالطبع
بحاجة إلى إعادة تأطير وبرمجة وفق الالتزام الوطني. أخيراً ما
هو المطلوب؟ إذا كانت الانتفاضة فعلاً ميدانياً نابضاً معبراً
عن حقيقة المكنون النضالي الصحراوي الصادق فإن الواجب يقضي
بالارتفاع إلى مستوى هذا المكنون بالفعل المنطوق من خلال فلسفة
إعلامية أو نضالية موحدة في كل المجالات لأن الإعلام في حد
ذاته هو كل هذه المجالات وهذا يعني في رأيي بالطبع التحلل من
ثوب النرجسية والأنا والخوف على الموقع والترفع عن العليائية
والمظهرية، والخلود إلى الوعي الصحيح الاختراق الفضائي للنفس
البشرية في كل مكان، ومهما كانت التحصينات الشكلية فالإعلام
اليوم حقائق تمشي على الأرض وتسبح في السماء ولا تغيب عنها
أُذن أو عين .
وهناك سؤال يطرح نفسه دائما بشدة وهو في الأشهر الأولى
للانتفاضة كانت هناك شكوى صحراوية دائمة بأن الانتفاضة لم
تأخذ حقها في الإعلام وبالذات الإعلام العربي بصورة عامة
لدرجة أن قادة سياسيين صحراويين تحدثوا عن تهميش لما يجري في
الأرض المحتلة من وسائل الإعلام العربية مثل شيخ الصقور الذي
وضح بشكل ملموس التخاذل العربي تجاه قضية الشعب الصحراوي في
برنامج زيارة خاصة، فهل هذا التهميش أو هذا الغياب في الأشهر
الأولى للانتفاضة، مرده فشلنا الإعلامي بمعنى أننا لم نستطع أن
نوصل صورة إعلامية صحيحة لما يجري هنا، أم أن هذا كان نابعاً
من نقل صورة حقيقية لما يجري بمعنى أنه تم تصوير ما يدور في
الأرض المحتلة وكأنه حرب تجري بين قوتين مسلحتين وليس انتفاضة
شعبية بالمعنى الذي كنا نريده.
وصراحة في نظري حقيقةً الموضوع مهم جداً يجعل الشخص يشعر
وكأن الإعلاميين الصحراويين في ظل الانتفاضة كانوا موجودين في
مكان آخر من هذا الكون وليسوا في الصحراء واكتفائهم بإرسال
التقارير والصور إلى المنظمات الدولية والاروبية متناسين أنهم
يحصرون الانتفاضة من حقلها العربي والإقليمي. وهذا كله في نظري
جلد للذات لكل ما هو إعلام صحراوي ، لكن أأكد أن تجمع
المدافعين الصحراويين أو وزارة الإعلام أو هيئة الاستعلامات
أو كل مؤسساتنا الوطنية الصحراوية ، أعتقد أنه كان لها دور
متفاوت نسبياً حسب إمكانياتها سواء على المستوى الفردي أو
المؤسسي، ولا توجد مؤسسة بدون برنامج وبدون هدف وبدون عنوان
وبدون إستراتيجية، وفي نفس الوقت إذا كنت أنا لست في صورة ما
يحدث في هذه المؤسسات، فلا يعني ذلك أن هذه المؤسسات غير
موجودة ولا تقوم بدور ، وكان حضورها واضحاً حتى وإن كان البعض
غير معني بهذا الحضور. في موضوع الانتفاضة والإعلام، أعتقد أن
هذه الانتفاضة كرست جملة من المفاهيم الإعلامية التي فرضت
نفسها على الواقع، سواء الواقع الصحراوي أو الواقع العربي أو
الدولي، بالاستناد إلى جملة من العوامل في مقدمتها، ما هو حاصل
من تطور وتقدم علمي في مجال التكنولوجيا والذي تم استغلاله
بشكل واسع في هذه الانتفاضة. الانتفاضة كانت من بدايتها وحتى
الآن عامل جذب لكل وسائل الإعلام وأثرت في وسائل الإعلام بشكل
نوعي. كإعلام صحراوي لا ننكر أن دوره ملموس على المستوى
المحلي إذاعة أو مواقع الكترونية ، وإن كان ليس بحجم الطموح
وهذا يعود لعدة أسباب منها قلة الإمكانيات سواء الفنية أو
الإمكانيات البشرية وبعض العوائق الأخرى ذات الطابع المرتبط
بسياسة المؤسسات، ولكن لابد من القول أن للإعلام الصحراوي
فعلاً حضور مميز جداً في هذه الانتفاضة، وقد استطاع التأثير
بشكل جدي في الإعلام العربي والدولي على أكثر من مستوى. يجوز
أن الحالة الإعلامية الشاملة التي ارتبطنا بها كانتفاضة مع
الإعلام العربي الذي كان مفقوداً على سبيل المثال كالفضائيات
العربية في الانتفاضة ، وهناك جملة من الإفرازات والنتائج
الإعلامية التي كرستها الانتفاضة ولم تؤخذ حتى الآن بما تستحق
من الأهمية، كأنماط عمل إعلامي استحدثت وفرضت نفسها على
الواقع، إلا أن دور الصحفيين الصحراويين والإعلاميين
الصحراويين في التأثير في الإعلام الدولي كان مميزاً جداً،
وفرض العديد من حالات الاختراق على الساحة الدولية التي في
الغالب مسيطر عليها مغربيا . وتصوير الحالة الصحراوية كمصطلح
في الإعلام الدولي إلى حد ما وكأن ما يجري على الأرض هو أعمال
شغب نابعة من التهميش الاقتصادي ، اعتقد أن هذا الفهم غير
موجود على الأرض حتى أن جزءاً من الرأي العام الدولي مقتنع
بهذه الحقيقة بالرغم من محاولات الإعلام المغربية الدءوبة
والجادة من أجل تصوير ما يجري على الأرض كأنها أعمال شغب ،
وهذا دليل واضح في تغيير الإعلام المغربي لمجموعة من المصطلحات
في التعامل مع قضايا الانتفاضة، مثلاً: الآن يتم التعامل مع
الطلبة الصحراوين المعتقلين على أساس تكوين عصابة إجرامية
تماشيا مع التخوف الدولي من عمليات إرهابية جديدة وخصوصا بعد
سطوع نجم المغرب في تصدير الكوادر الإرهابية إلى الخارج
كمصطلح مستخدم في الإعلام المغربي وتم تسريبه إلى الإعلام
الدولي، في الخطاب المغربي ، طبعاً إدخال مثل هذه المصطلحات
يخدم السياسة الإعلامية المغربية التي تسعى لتصوير ما يجري على
الأرض وكأنه أعمال شغب قد تحدث في أي بلد ديمقراطي ، بالإضافة
إلى ذلك أن الإعلام المغربي وامتداداته وتأثيراته الغربية سعت
لتصوير هذه الانتفاضة في الإعلام سواء العربي أو الدولي على
أنها شكل من أشكال الإرهاب أيضاً، وتعمدت في هذه النقطة إدراج
صورة الملثم الصحراوي الذي يحمل القنينة الحارقة في كل وسائل
الإعلام المغربية بدءاً من الصحف مروراً بالمواقع على شبكة
المعلومات "الإنترنت" وفي نفس الوقت من خلال أداء الإعلاميين
والصحفيين المغاربة الذين يعملون مع وكالات وشبكات التلفزة
الأجنبية والعربية ، من خلال إشرافهم على كل المادة الإعلامية
التي يتم تصويرها في الصحراء المحتلة كأحداث الانتفاضة، فهم
في المحصلة النهائية كمغاربة يقوموا باختيار المقاطع
الإعلامية أو التلفزيونية أو الصور الفوتوغرافية التي تتناسب
إلى حد كبير جداً مع هذه السياسة الإعلامية التي تسعى إلى
تصوير الانتفاضة أحياناً بشكل الإرهاب والعنف . هذه المسائل تم
تجاوزها إعلامياً على المستوى الدولي وإن كان هناك شعور في
كثير من الحالات أن بعض الفضائيات الدولية كانت تنسجم فيما
تنشره أو تبثه من مقاطع تلفزيونية أو حتى لقاءات تحليلية مع
الموقف المغربي ، وهذه طبعاً كانت تطرح بدعوى النزاهة
والحيادية في حين أنه في إطار الفهم الإعلامي المستند إلى فهم
قومي يفترض أن تكون غير موجودة بشكل مبدئي. |