|
شذرات من يوميات الانتفاضة

في هذه السلسلة من
المقالات سنحاول جاهدين، أن ننتقي بعض الأحداث والمشاهد والوقائع
الفريدة من نوعها، والتي تحبل بها يوميات الانتفاضة السلمية المتفجرة
بالصحراء الغربية من
21
ماي
2005، هذه
الوقائع تتميز بالعفوية والتلقائية،إلا أنها للأسف تمر مرور الكرام،
ولا تحظي في الغالب بالتغطية الإعلامية، لكونها أقرب إلى الطرائف في
منظور البعض رغم أنها لا تخلو من ذلك، وهناك من ينظر إليها على أنها
وقائع خاطفة تؤطرها الصدفة واللا تكرار، وليس التنظيم والاستمرارية،
لكنها في الحقيقة مشاهد وأحداث تحمل في طياتها معاني ومغازي تستأهل
التوثيق، لذا أخذنا على عاتقنا القيام بهذه المهمة، والتي اخترنا لها
عنوان :
" شذرات من يوميات
الانتفاضة " وسنخصص لكل مقالة جولة في أحد العوالم، كما فضلنا أن
نتعامل معها بمنهجية الخبر والتعليق من أجل بسط المشهد والواقعة كما
هو، ومحاولة التعليق عليه من وجهة نظرنا البسيطة، من أجل شرح مغازي ذاك
المشهد وتفسير تلك الواقعة .
**
جولة في عوالم الصغار
**
خبر :
يقوم بعض الصغار
بمختلف الأحياء الصحراوية، بإبداع فصول أخرى جديدة من فصول انتفاضة
الاستقلال، مختلفة وفريدة، لا تخلو من البراءة وحسن النية والإدراك
الجيد لتمفصلات الواقع، حيث يصنعون من قنينات البلاستيك( الخاصة
بالمشروبات المعدنية أو الغازية ) دروعا صغيرة بعد أن يقطعوها مقاطع
طولية، فتصبح القنينة مقطعة على نصفين عموديين، فيثبتون كل نصف على كل
طرف من الأطراف ( الساعدين و الساقين)، كما يصنعون خوذات بسيطة للرؤوس
من أنصاف الكرات، مضافة إليها بإتقان أشرطة بلاستيكية شفافة مثبتة على
مستوى العينين، زد على ذلك يصنعون هراوات خشبية يلفونها بلاصق أسود،
ودروع كبيرة من الخشب، كل هذا يضاف إلى لباسهم أزياء سوداء أو زرقاء
وأحذية ثقيلة وسميكة، لتكون النتيجة في الأخير، وجود أشباه قوات القمع
المغربية ( شرطة القرب الهمجية، القوات المساعدة)، وفي المقابل يتخصص
البعض في لبس أزياء عادية، ويلفون وجوههم بأغطية لا تظهر سوى العينين،
حاملين مناشير وأعلام وطنية صغيرة. ينقسم الفريقين بعد تقسيم الأدوار،
فينسحب الصغار المتقمصين لأدوار قوات القمع المغربية إلى أمكنة غير
بعيدة، فيما يبدأ الآخرين بترديد الشعارات الوطنية والتلويح بالأعلام
الصحراوية، وبعد لحظات تتدخل القوات القمعية وتنهال بالضرب غير المبرح
والسب على المتظاهرين العزل الصغار، فتحصل مواجهات حامية الوطيس بين
الفريقين، تكلل في الأخير بانتصار المتظاهرين الصغار، ليغنموا هراوات
ودروع، فيقوم أحد المتظاهرين بتمثيل دور الشهيد الذي انهالت عليه قوات
القمع بالضرب حتى الموت، وبعد هروب الغازين يقوم الأبطال الصغار بلف
الشهيد الصغير بعلم وطني صغير، ويحملوه على أكتافهم الصغيرة ليطوفوا به
أرجاء الحي مرددين شعار :
يا شهيد ارتاح ارتاح سنواصل
الكفاح
و بعد أن ينتهي
المشهد، تقلب الأدوار بين الفريقين من جديد ويعاودوا تكرار مشهد جديد .
تعليق
:
لا يمكن القول أنها
لعبة من لعب الصغار، وذلك لما يحيط بها من أخطار، لكن يمكن أن نقول
أنها لوحة أوبيريالية فريدة تعبر عن واقع المواجهة اليومية بين طرفين
غير متكافئين، أو أنها مسرحية درامية وواقعية، يصبح التمثيل والتجسيد
والتشخيص فيها واقعا، والأدوار حقيقة، والمشاهد لحظات من عمر يوميات
الانتفاضة .
****
خبر :
في أحد الأحياء
الصحراوية حيث يقطن أحد النشطاء الحقوقيين الصحراويين، يتجمع الصغار
بالقرب من منزله يلعبون، ، وكلما زاره الناشط الحقوقي الصحراوي "
أحماد حماد " إلا وتنادى الصغار من كل صوب وتجمعوا حول سيارته مرددين
الشعارات الوطنية من قبيل :
لا بديل لا بديل عن تقرير المصير **
لا لا للحكم الذاتي استقلال الصحراء آتي
تعليق
:
إنه التكريم بعينه،
والتقدير البريء والاحترام التلقائي من هؤلاء المناضلين الصغار،
لأولئك الكبار، فيا ترى هل يفهم الغزاة المغاربة هكذا ردود أفعال ؟
أوليس هذا التقدير بمثابة صفعة لمحاولة الاحتلال عزل النشطاء الحقوقيين
وتشويههم والنيل منهم ؟
****
خبر :
طفل صحراوي يضرب طفل
آخر مستوطن، فيشتكي الثاني لوالده، وبدوره يشكو ذلك لعائلة الأول،
فيستدعي والد الأخير ابنه المشتكى به أمام عائلة المشتكي، فيسأل الوالد
الصحراوي ابنه عن أصل المشكل وسبب ضربه للطفل الآخر، فيجيب الطفل
الصحراوي، أن الولد الآخر هو المعتدي، ويسترسل في الكلام : كنت مع
رفاقي نرسم أعلام صحراوية على حائط المدرسة، وضبطنا هذا الطفل يمحو ما
رسمناه، فقلت له إياك أن تكرر فعلك هذا، وفي اليوم الموالي قمت بنفس
الفعل فما كان منه إلا أن عاود الأمر، فضربته وأنا مستعد لضربه كل مرة
يتطاول فيها على رسوماتي، وأمام اندهاش الجميع لهذا السبب الذي لم يكن
مألوفا، أجاب الوالد الصحراوي، الحل هو أن يكف ابنكم عن محو رسومات
ولدي، فسارع الأب المستوطن : أو توافق ابنك على فعلته، فقال الصحراوي :
نعم، فانسحب المستوطن غاضبا ومرددا: كلكم بوليزاريو، وأنت الذي تعلم
ابنك كل هذا، وسترون النتيجة ........
تعليق
:
انه الدفاع عن
المقدسات، وانه الوعي بأن للبيت رب يحميه، كما أن الصغير الصحراوي لم
يضرب الآخر حتى حذره من قبل، وهو الإصرار على الرسم و الكتابة والدفاع
عنها مهما كانت النتيجة، وانه غباء المستوطن الذي يظن أن ثورة الصغار
تحتاج إلى تلقين أو تعليم
****
خبر :
طفل صحراوي مجتهد في
دراسته، وكل نهاية سنة دراسية يكافئه والده على تفوقه بشراء كل
غاياته، لكن هذه السنة رفض المكافأة المادية، وعندما سأل عن ذاك الذي
يريد، فأجاب أن أفضل المكافآت هي أن يسمح له بالاصطياف مع خالته بشاطئ
فم الواد، فأجاب الوالد أن العائلة ستصطاف كالعادة بشاطئ أكاد ير
المغربية، فألح الطفل على شاطئ فم الواد، ولأنه حصل على معدل جيد في
دراسته، فما كان من الوالد إلا الموافقة على اختيار طفله، رغم استغرابه
لإصراره على الاصطياف بفم الواد، وفي أحد الأيام جاءت أخبار للوالد،
مفادها أن طفله تعرض لضرب قوات القمع المغربية بشاطئ فم الواد أثناء
مشاركته بإحدى المظاهرات المطالبة بتمتيع الشعب الصحراوي بحقه في تقرير
المصير التي شهدها الشاطئ، حينها فقط فهم مغزى إصرار ولده على الاصطياف
بشاطئ المذكور...
تعليق :
إنه الإصرار على
المشاركة في كل فصول الانتفاضة المباركة، وفي كل المواسم ، فلا مجال
للراحة والاستجمام، ما دام الوطن رهين السلب والاغتصاب، وإنه النضال
الأفضل من كل المكافآت العينية والمادية....
****
خبر :
**
اشترى أب
صحراوي لأبنته الصغيرة المدللة، بعض اللعب، وبدأت في تجريبها، وهي
مسرورة مزهوة بهذه الهدايا، التي تخلج صدور الصغار خصوصا إن كانت مهداة
من رب الأسرة، وما إن رأت لعبة على شكل مسدس مائي بين هذه اللعب، حتى
هرولت به خارج الغرفة، ظن الجميع أنها ربما ذهبت إلى صنبور الماء من
أجل ملئه، لكن المفاجأة أنها لم تفعل ذلك، بل إنها اتجهت مباشرة خارج
المنزل، وتوجهت مباشرة نحو سيارة تابعة للشرطة الحضرية "
gus
" مرابطة منذ
زمن قرب المنزل، وصوبت مسدسها الصغير والمزيف نحو أحد أفراد الشرطة
الواقف أمام السيارة المذكورة، فبادر إلى سؤالها بعد أن عرف أنه
المقصود بهذه الحركة التلقائية من طفلة لم تتجاوز سنتها الخامسة، ما ذا
تريدين ؟ فأجابت ببراءة وعفوية : أريد أن أقتلك، وأمام هذا الأمر
المفاجأ، وبعد أن تسلح الشرطي برسم ابتسامة على سحنته البيضاء، و
المشوبة بالكثير من الاستهزاء والاستغراب، بادر إلى سؤالها مجددا بعد
أن التف حوله رفاقه الآخرين، ولماذا تريدين قتلي ؟ فأجابت دون تريث :
لأنك تضرب الصحراويين ...، كان جمع من النسوة يجلسن على إحدى العتبات
بالزقاق، وتابعن هذا المشهد الفريد بإمعان، وأمام ناظريهن قام أفراد
الشرطة، بعد أن وقعوا في حرج كبير من تصرف طفلة لا زالت لم تصل بعد إلى
الحلم، بطرد هذه الصغيرة إلى منزل عائلتها القريب، التي خرج أفرادها
ليستفسروا أسباب هذه الضجة، وما إن علموا بما فعلت صغيرتهم حتى انطلقوا
في قهقهات وضحك، لم يستسيغه البعض بطبيعة الحال .
**
طفل صحراوي آخر صغير يسكن بإحدى الأزقة المعروفة بمرابطة سيارة تابعة
لشرطة مايسمى القرب
gus
على طول اليوم، فكان هذا الصغير الذي لا زال لم يتجاوز سنته الرابعة،
يراقب بدوره هذه السيارة الغريبة والتي يدرك أن أصحابها ينكلون
بالصحراويين ولذلك يكرهها أيما كره، وفي أحد الليالي تفطن الصغير أن
السيارة المرابطة قرب المنزل غادرت مكانها، فما كان منه سوى الهرولة
نحو بعض الحجارة الصغيرة القريبة من المنزل وقام بحملها صخرة صخرة،
وثبتها في الأخير في المكان الذي كانت ترابط فيه السيارة اللعينة، ورص
الحجارة بشكل منظم، وما إن رأته والدته حتى سألته ما ذا نفعل يا بني
بهذه الحجارة ؟، فأجاب : إنني أضعها في هذا المكان كي تملئه عن آخره،
وحين تعود سيارتهم لا تجد موطأ لها، فترحل عن زقاقنا بصفة نهائية، فما
كان من الأم سوى التعجب من ملكة هذا الولد الصغير، وقصت القصة على
أفراد الأسرة والجيران ولا زالت هذه القصة تجد لها صدى بين الجميع .
تعليق
:
إنه مشهد درامي معبر،
ولعمري إنه جواب على ترهات مغربية تنبني على أن قضية الصحراء الغربية
قد تم طيها بصفة نهائية، وتالله إنه جواب على أولئك الذين راهنوا أن
دعاة الاستقلال هم مجرد حفنة وشرذمة قليلة، إنه مشهد يبعث برسالة عاجلة
إلى صناع القرار بالمغرب، مفادها " ارحلوا من الصحراء الغربية، وعلى
عجل " ، فإن الأجيال لا زالت تكبر بالمعانات ومع المعانات، وكل دقيقة
يتشبعوا فيها بالحقد وكراهية الاحتلال، وإن ضرب الصحراويين والتنكيل
بهم أمام ناظري الصغار، لن يدفعهم سوى إلى مزيدا من الكراهية والرفض
والنضال .
****
خبر
:
ما
يسمى بشرطة القرب تعتقل طفلا صحراويا أثناء كتابته شعارات مؤيدة
للاستقلال و للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب على
أحد الجدران، وبعد اعتقاله وتعذيبه بقوة بأحد مراكزهم القذرة، قاموا
بسؤاله عن ذا الذي علمه ذلك، فأجابهم ببساطة
"
إنه أخي البشير
"
فلاقى منهم ذلك السرور، وانتشوا فرحة ً، كونهم عرفوا رأس الخيط والشخص
الذي يمكن أن يكون وراء كل هذه المظاهرات والبطولات، التي قضت منامهم
منذ بداية تفجر "
انتفاضة الاستقلال المباركة
"،
فاستقدموا المعتقل الصغير الذي لا زال لم يتجاوز ربيعه السادس، على
متن أحد جحورهم المتنقلة، صوب منزل عائلته من أجل اعتقال هذا البطل
المدعو
"
البشير
"
الذي أصبح في أذهانهم الصيد الثمين، والمطلوب رقم واحد الذي كانوا
يلهثوا وراءه ردحا من
الزمن.
وصلوا
إلى الوجهة المقصودة، أوقفوا سيارتهم التي تقل البطل الصغير أمام باب
منزل العائلة، ناهيك عن موكب آخر بالجوار، كل الأزقة المؤدية للمنزل
محاصرة، طوق مشدد مضروب حول المكان، وهواتف ترن بلا توقف، وتعليمات
تتدفق بغزارة بضرورة أخذ الحيطة والحذر، الجيش على أتم الجاهزية، كل
انتصب في مكانه خشية فرار المبحوث عنه، وخشية مواجهات واحتجاجات قد
تنفجر عقب اعتقال هذا
"
الوحش
"
حسب زعمهم، وهذا
"
الزعيم الخطير"
الذي علم أخوه أبجديات النضال، وبالنتيجة فإن ذاك يعني حسب مزاعمهم أنه
علم كل رفاق أخيه، وأبناء الجيران، بل إن كل هؤلاء الذين أرقوا
مضاجعهم، وأولئك الذين قادوا الانتفاضة وخططوا لها ونفذوها وأبدعوا
فصولها، كل هؤلاء من ورائهم
"
البشير ...؟
"
وبدون
سابق إنذار قاموا بمداهمة المنزل بالقوة، وتدخلت تشكيلة من الكلاب
المسعورة، بهراواتها وكل آلاتها القمعية...
.. لتهب
إليهم أم الطفل : من أنتم ؟ وماذا تريدون ؟
.. يجيب
أحدهم : نحن الشرطة، وقد اعتقلنا ابنكم متلبسا بكتابة الشعارات، وقد
اعترف أن أخوه
"
البشير
"
هو الذي علمه ذلك، وأتينا لاعتقاله فورا، فهو مبحوث عنه، والمتهم رقم
واحد، والأفضل لكم تسليمه دون مقاومة، وإلا ستكون القوة هي الحل
.
وأمام
كل هذا الهجوم الغادر، ومن حيث لا يتوقعون،
أجابت
الأم بهدوء غير متوقع : أتريدون ابني
"
البشير
"
، سيكون لكم ما تريدون.
وأمام
هول المفاجأة التي أصابت رجال الشرطة وكل أفراد كتيبة الاقتحام، من فرط
الليونة التي أبدتها هذه الأم، ولجت هذه الأخيرة إلى إحدى الغرف ولم
تغب طويلا حتى خرجت إليهم وعلامات الابتسام تغزوا وجهها الأسمر، حاملة
رضيعا بين ذراعيها، وورقة أخرى بين أنامل
يمناها.
لتجيبهم بكل برودة وهدوء :
..
انظروا، أترون هذا الرضيع،
وأمام
دهشة هؤلاء، تابعت الحديث :
إن هذا
الرضيع هو نفسه
"
البشير
"
الذي تبحثون عنه، ولم يتخطى ربيعه الثاني بعد، ولازال صغيرا على
الكلام، وهذه الورقة هي شهادة ميلاده، وإن كانت لكم الجرأة ،
فاعتقلوه....
فطنت
الكلاب الجامحة للمقلب الذي وضعهم فيه المعتقل الصغير بدهاء ، وأمام
هذه الفضيحة، وهذه الخيبة، لم يجد هؤلاء، سوى إطلاق سراح بطلنا الصغير،
وإفراغ المكان بسرعة، والعودة إلى جحورهم بخفي حنين، لتصبح بعد ذلك هذه
الأقصوصة حديث الجميع.
تعليق
:
إن
الأغبياء لم يدركوا أن
"
البشير
"
هو الانتفاضة التي تعلم الجميع، وأن أبجديات النضال، وفنون إبداع
الفصول، لا يحتاجا لمعلم أو تعليم، فأثداء الأمهات يرضعن الأبناء كل
ذلك، ومدرسة الانتفاضة تستكمل التوجيه والتأطير .....
الولي محمد الخليل
Med_elkhalil@yahoo.fr
العيون
المحتلة
|