|
جغرافية
السواد .... !
أشحذ همتي للوقوف،
فتخور قواي، أبحث بعيني عن موطأ لراحة كفي
فتعجز الأولى عن
استبيان جغرافية المكان، وتُنهَكُ الأخرى من فرط التحليق في سمائها
القريبة
وتبهت الصورة أمامي،
فأعود إلى مراوحة جغرافيتي الضيقة،
فأخلد إلى النوم الذي
وجدَ فيَّ، ملاذه الأخير...
وأحس بأحلام خضراء،
تحاول التسلل إلى ذهني المنهك
فيأبى أن يقتطع لها
جغرافيتها،
ويأبى أن يراهن بما
تبقى من مساحة لوافد غير مضمون
***
وبعد ساعات من النعاس
القاتل، ومن التمدد الغير مألوف
تعاودني فكرة النهوض،
وتخترقني أصوات تناديني ..: يا مسجون
..!
وأسمع قهقهات وأحاديث
من حولي بلغة غير مفهومة
فأسترد خيوط المكان
من جديد،... تراه ما ذا يكون ؟
نعم ... أنا ممدد بين
خليط من الأجناس
وأحس بآخرين مثلي
ممددون...
بزنزانة الموت، بين
ثنايا سواد سجن العيون...
يقتسمون معي هذا
العراء البارد، وهذا الفراغ الذي ينخر البطون
وهذه الرائحة النتنة
التي تزكم الأنوف
وهذه الحياة المحاصرة
التي تبعث على المس و الجنون
***
لكن ... ما بال أولئك
يتسامرون...
وكيف لهم ذلك
؟
لعلهم من غير
جلدتي... نعم هم كذلك،
إنهم غير ممددون،
يحاصرهم الدفء، وملئ البطون،... نعم إنهم مستوطنون
لقد عرفتهم، من روائح
تبغهم وحشيشهم
ونعيقهم المتواصل،
الذي يخترق كل السجون
فأين إخوتي ؟
أوَ لّمَ بهم مكروه
؟ هل لا زالوا كما كانوا
* ممددون *
؟
أستنهضُ همتي من
جديد، وأستجمع ما بقي من فتات جهد جهيد
وأستعين براحتي كفي،
أحس ببرودة موضعهما كسيف مسنون
وأحصل بعد جهد ضنين،
على نصف مبتغاي
أقلب بعيني
الجاحظتين، أتلكأ في الالتفات علهم يلتفتون
أبحث هنا وهناك، وأرى
بضبابية كل شئ...
ولا أرى في هذا الشئ
إخوتي ...ورفاقي " المبجلون..."
فتثور في داخلي وساوس
الفراق ومؤامرات " المجرمين... "
وقبل أن أثور...
يهاجمني الدوار، وتتراخى العضلات
وأحلق من جديد نحو
هاوية فراشي، فيغالبني السكون...
****
أجهدت نفسي من جديد،
ولا أسمع أي شئ
أحس بألم في ذراعي،
وبآخر يثقل رأسي المصدوع
وأشتم رائحة الأدوية
العتيقة، بدل التبغ الملعون
ولا أسمع تلك
القهقهات، بل رنين متقطع
فأستشعر تغير المكان
، وأقرر أن أطلق العنان لعيني المغلقتين
وفي لمح البصر ، رأيت
إخوتي ممددين
والجغرافية تنصع
بالبياض، وسكانها يلفهم البياض
وإخوتي ممددين،
يغالبهم النوم، وتخترقهم الأسلاك
فهب السرور في داخلي
من جديد، إنهم إخوتي ...
إنهم أحياء.....
لكن هنا،... ما ذا
يفعلون ؟ ، وأين الآخرين
؟
وأين جغرافية السواد
؟ وأين أصحاب النعيق
؟
تراهم أذعنوا
لمطالبنا ؟ تراهم أيقنوا بصوابنا
؟
لا لا هم لا يذعنوا،
و لا يوقنون
ومن أين لي بهذه
الهمة ؟ ، والقدرة على الكلمات
وما هذا الذي يلف
ذراعي ؟ آه إنه بلاشك محلول
المقويات
نعم إنه المستشفى،
وبدون تريث بدأت بالصراخ، وانتزعت أسلاكهم
وهذا ما فعله إخوتي،
وعدنا إلى جغرافية السواد، وعادت الأحلام للتسلل من جديد
وعاد التعب يأخذ
مساحة تنمو في جغرافية جسومنا .....
وعاد السكون والجنون
في سجن العيون ....!
العيون
18شتنبر 2006
الولي محمد الخليل
|