إرادة الشعب الصحراوي   

لا يـــسلم الشرف الرفيع من الآذى ** حـــــتى يراق على جوانبه الدم

ولا يسلم حمـــــلة الفكر الــــــنزيه من بطــــــش الجلادين  

حتى يجلجل صوت الحرية في آذان المضطهدين

فأينما وجد موسى وجد فرعون...  

تلك إذن هي أرادة الشعوب التي لا تقهر والآلة الديناميكية والوسيلة الناجعة لكسر شوكة الجبابرة والمتسلطين، وهي السيف المسلط على رقاب العملاء والجلادين

 

نـــــداء الصـــــيــــف

     

 

الرقص مع/ على  الجكوار

 

س . أ . د

الأرض المحتلة 

 

ابتاع – السالك – سيارته القديمة (R12)  بسوق الدلالة.... استفرد السماسرة المغاربة به ..ضيق الحال والحاجة إلى الرفاه والسعادة  والشهرة مكلفة .. الحب هذه الأيام مكلف.. الشدة ينعل بوها الشدة ... ولكن ليلة في الخير أخير ... ازدادت حيل السماسرة تنوعا ... -هذي ما صالحة لوالوا  الصقع  بيعها  أورتاح  راه أوراها غار لخسارة -..باع السالك كركارته البالية بخمس آلاف درهم ... لا يهم ليلة في الخير أخير  ومنتو تستحق أكثر .. سيذكرني الناس لأسبوع  ومنتو تستحق أكثر ...

انطلق الوالي بسيارة الجيب ورفقته محمد عالي وآخرين ..كانوا كالملائكة أنقياء ، أتقياء ... كالفولاذ عزيمتهم ..ليسوا رومانسيين...ثوار .. ثوار..،  لحظة، كم من  الثوار أمثالهم نملك نحن الآن؟ شقت الجيب طريقها الصحراوي الوعر.. الوالي ..الثوار يصوبون مدافعهم الملتهبة اتجاه الأخ العدو ... ولد داداه كان يحتسي أكواب الشاي بتلدد وعجرفة في قصره....الوالي وكتيبته كانوا يتقدمون.. يتقدمون بشوق يتقدم الثوار صوب العدو.....

السالك الآن يلبس درا عته المبولية جيدا ...ينثر عليها العطر  بسخاء حاتم ذاك الطائي .... آخر الروتوشات يضعها السالك  على وجهه وهندامه .. الكمامة كحلة لكن ليس كما يجب  عليه أن يكثر من تدخين المانيجا ... علبة الماربوروا المهربة في لبنته  ثم ماذا أيضا ؟ آه .. الكلينكس يا السالك  ثم الهاتف النقال في حجم أصبع اليد .. صوره ملونة وكاميرته ستيريو ، السالك آخر شياكة .. ينعل بو  الوقت .. اخلات الخيمة الليلة ..وليلة في الخير أخير  .. ينتعل السالك سيارة دفع رباعية من نوع سيمار...بدأت تلمع في قدميه  كالنجوم في سماء تيرس .. منذ بداية التسعينات أصبح الرجال في الصحراء - يتحفلون- أكثر من اللازم ؟  ...

الوالي لم يكن شاردا وكذلك  أوليدة .. وبقية المقاتلين .. في عيونهم وميض عجيب ...  لا تشتعل عيونهم إلا مع البارود .. .. يقبضون على مدافعهم في شوق غريب ...الجيب تخترق صمت البيداء كالشهب  .. تحمل الشهب  سيارة الجيب ... بقية الرفاق على طول الحدود مع العدو يتقدمون .. يتسابقون بشرف .. شرف الثوار لا يدنس ...  لا يداس .... المحتلون يخطئون فليس كل الناس في الحرص على  الشرف سواسية .. . الناس سواسية كأسنان المشط المتكسرة في الشرف .. الثورة .. البلاء ... الرعب ...حب الوطن....

 يقترب السالك من مبتغاه ... أصوات القيثار.. و تيقيوت تنعشانه ... يتمخطر كالطاووس .. يدلف خيمة الفرح .. الصحاب كلهم في الزاوية  ينثرون الدخان في الهواء بشبيقة ... الطاووس .. فرسان الليل....الوقت الضائع ..كلهم هنا ... مينتو ..أينك يا ملهمتي ؟ مينتو ... عينا الطاووس  جاحضة .. مينتو أينك مينتو ؟ ترتفع الأصوات.. ..صوت الطبل والزغاريد .. القيثارة الكهربائية ... النسوة يهمسن لبعضهن ويقهقهن في النهاية  .. برتوكولات حواء .. رائحة العطر والعرق النسائي ... الملاحف ألوان زاهية براقة... الحلي .. صوت القيثارة في غير تناسق مع غناء التيقيوت ... مينتو أينك يا منتو؟ ..

تسرع الجيب نحو هدفها... فرانكو ... بصيري .... الزملة .. الرصاص ... الدماء ... الرباط .. الدار البيضاء ... مراكش ... طانطان ... القمع ... السجن ...الزويرات... عشرة .. ماي ... البوليساريو ...  الجيب تتوقف قليلا.... يلتفت  القائد نحو رفاقه ... يتهامسون يتشاورون وبينهم خريطة عسكرية للمكان ... يقفزون بخفة على الجبيب ثم ينطلقون ...عشرون... ماي  ... الخنقة ... النار .. الثورة ... الدم ... الدماء ... الحلاوي ... الغدر .. الخيانة ... التتر .. الغزو.... الدولة ... الجيب مؤنسة الصحراء .. تتجه بلهفة ... بلهفة  نحو الوغى ...

وا لهفتي عليك يا مينتو .. أنت أيتها الرائعة الممتلئة ...مينتو .. يا منتو . ... مينتو ..مينتو أين أنت ؟ ... يتهامس فرسان الليل .. متكئيين كأسياد ..... رجلا فوق الأخرى ... أصابع اليد تداعب شعيرات الساق... بطا رنة ... مينتو امنينك ؟

القائد أحمد يحرق شاحنات للعدو على الطريق  ... يرتفع الدخان كثيفا أسوادا نحو السماء...  في السماء نسور غادرة تحرص محميتها.. ترصد الدخان ..و المقاتلين .. فترسل البيانات الأولى ....في الجهة الأخرى من الصحراء .. المقاتلين ... الوالي  يحفرون في الأرض ... يسقون سياراتهم ... البنزين في البراميل ... هنا .. هناك ... تخطيط عسكري حكيم ..

كيف أخطط لأوقع بك يا منتو ؟ . مينتو حورية مكتنزة ، مكتنزة حتى التخمة  ... سبحان الخالق الوهاب ... مينتو جوهرة ... قمر .. بين رفيقاتها .. ووصيفاتها نجوم  مضيئة ... وأخريات منطفئة .... تلتقي عينا الجوهرة .. بصاحبنا  العاشق الولهان .. غير مكترثة .. كل فرسان الليل .. والسالك  ... ودراعته ... ونعل سيمار في قدميه ... والبورتابل ، والكاميرا، وصور الألوان .... كل هؤلاء هائمين ... عشاق لمنتو ..  ومنتو بين النجوم الساطعة والمنطفئة غير مكترثة ...  تختلط الهمسات والزغاريد والتصفيق وضحكات الصبايا ... وغمزات الذئاب المشردة .... والابتسامات الحلوة ... والتي تفجع .. تختلط وصوت القيثارة وغناء تيقيوت .. تختلط والليل والدخان والعرق ...والسيقان.. والرجل فوق الأخرى ... والونسة على زر ... وتحت الكفا .. عشق محموم ... العريس إلى الخيمة يدخل محاطا بكوكبة من  نساء وشباب يافعين ... يرتج المكان ...- الله هي إنشاء الله  ... عروس الخير ...انش..- .. يهتز المكان صخبا  ترتفع الزغاريد و الغناء والقيثارة .. وصاحب القيثارة .. والنسوة ... ومينتو ... و السالك  .. والآخرون  ترتجف قلوبهم لثغر مينتو... مينتو آه منك يا منتو ...آه منك.....

ترتجف سواعد الرفاق فرحا لبدأ المعركة .. ينطلق الرصاص .. وتصهل المدافع الخفيفة .. ترقص الجيب .ترقص .. يزغرد المقاتلين ... يسقط الكأ س ... ويسكب الشاي على داده اللعين ... يرتعد المكان.. ومن في المكان .. يزغرد المقاتلون .. بنادقهم .. مدافعهم ... الغبار .. الصواعق .. الرعود ... الرصاص أمطارا ... الرفاق شهب .. شهب في كل مكان .... الوالي .. محمد عالي ... الكتيبة كلها .. تمطر الكفر ..الغدر بأمطار من سجيل .... يهتز المكان ... ثورة الصحراويين ستأكلكم يا قتلة ...

أكلت أصابع العازف أوتار القيثارة .. وأكلت الملحفة جسد مينتو .. وأكل السالك أصابعه وكمامته ...ياه ...الغناء  ... الغناء ... إنشاد عجيب ... لثام أسود يلفه العريس حول  عنقة.. النسوة والعجائز والصبايا يختلسن النظر إليه ... بجواره أمه تتلوا كلمات غير مفهومة ..قيل إنها تعاويذ لطلا ميس تحجب العين والسحر والثقاف في ليلة العرس ... العريس شبيب ..  ومنتو شبيب .. والسالك بينهما شاب ... وما العيب فالشيب وقار ... تتمايل الموسيقى... ويتمايل  الراقصون والراقصات معها ... مينتو تصفق لرفيقاتها فوق المنصة .. والسالك يختلس النظر إلى زندها ... إلى عنقها ... إلى رموشها..   سبحان الخالق الوهاب..

سبحان الخالق الوهاب .. من أي طينة هؤلاء المقاتلين .. سبحانك وكأنك لم تخلق فيهم الخوف أو الرعب .. من أي طينة هؤلاء ...يتسارعون نحو الشهادة .. يتقدمون من كل  صوب .. يمطرون القتلة ... الوالي هذا ... أي مارد أنت ؟ ... أنت يا سيدي ..يا حبيبنا .. يا رفيقنا ... من أي جنة بعث إلينا؟ ... الوالي يسابق الريح ... يسابق الشهادة ... الوالي نار من لهب ...  عزيمة شعب.. ثورة شعب ... يرتجف العدو .. يفر العدو ... العدو أشلاء مبعثرة في قبضة المقاتلين .. يستنجد العدو بحماته .. نسور الغدر في السماء ... الجكوار .... منتو دورها الآن ... منتو  تصعد المنصة ... منتو كم من عين تشتهيك .. منتو لا ترقص إلا على رقصة الجكوار ... تهتز منتو على ايقاء القيثارة بلطف... تتمايل يمينا شمالا ... منتو شمعة ملتهبة .. السالك نيرانه ملتهبة ... يزداد  تراجع العدو يلتف المقاتلين .. تخرج كتيبة درك العدو من جانب آخر .. يبقى الوالي يقاتل ... الجكوار الغادرة تبرق من الأعلى ... ومن الأسفل تهتز الأرض من تحت منتو ... يزداد الرش .. الرش يا شباب .. الرش ... الرصاص ينهمر من أعلى كالمطر ... المقاتلون والوالي لا يتراجعون . يمطرهم الحماة من الأعلى ... وهم العدو الهارب من الأرض ... يقفز المقاتلون  من مكان إلى مكان.. يقفز السالك بلا هوادة إلى المنصة ... الموسيقى تتعالى الزغاريد تتعالى .. والخدم يزداد إلحاحهم .. ومنتو والجكوار... جكوار اقدي ماني ق... ، يرقص السالك ويلتف على منتو كذكر الحمام ...يعاود  الكرة مرات ومرات ... يتصبب عرقا ... ومنتو زاهية غير مبالية ... الجكوار مبالية تكر ولا تفر .. المقاتلون ببنادقهم الصغيرة ومعنوياتهم الكبيرة أقسموا  أن لا تراجع . لا تراجع ... أقسمت منتو أن لا تتوقف الرقص فجكوار هي ما تتقن في الرقص .. الموسيقى .. القيثارة ... الزغاريد ... الدخان .. الهستيريا كل الهستيريا  زرعتها منتو في الملأ ... السالك بدا كالمجنون أمام ليلاه ... تمطر الجكوار اللعينة الغادرة الوالي ورفاقهم ... وكلهم عزم  لاتراجع... يمطر السالك مينتو بأوراق مالية زرقاء .. يمطر ويمطر .. ويقسم أن لايتراجع ... ليلة في الخير أخير .. ومنتو تستحق الشيء الكثير ... ملعونة (R12) ، وخمسة ألاف درهم .. ينعل السمسارة .. وذلك الصقع الذي باعها .. ومن اشتراها منه ... منتو تستحق .. السالك يمطر منتو .. ومنتو ترقص على الجكوار ... والجكوار تمطر بغدر الثوار ... والثوار يقسمون أن لاتراجع ... وهل يتراجع الوالي ؟ وهل يترك محمد عالي الوالي وحيدا مع العدو ؟ كلاهما والمقاتلين لا يعرفون إلا الركض نحو العدو ... يعلمون الكر لا الفر .. من يفر دون وطنه ؟ من ..؟من..؟ من ...؟ السالك خلف  منتو حالما... ومنتو تمطر المنصة دراهم ... والخدم ينظفون المنصة في تسابق محموم من الأوراق  الزرقاء ....نفذ صبر الجكوار من شدة وبأس  هؤلاء ... تطلق قنابلها الأخيرة .. تحترق الجيب ... يحرق السالك ورقته الأخيرة... ويقفز من على المنصة كطاووس .... و يقفز الثوار من على سيارتهم ... يطلقون طلقتهم الأخيرة .. يتمايلون نحو ... بعضهم .. الثوار يعانق بعضهم  البعض ... تختلط دماء بعضهم البعض ... يسقطون شجعان  على الأرض .... يقبضون بأديهم القوية الطاهرة على تراب الوطن ... يبتسمون .. يبتسمون ... هم كذلك الشهداء يبتسمون وأرواحهم في السماء .... تبتسم منتو للسالك ... ويبتسم عازف القيثارة ... والقيثارة .. والخدم ... والوصيفات ... والملأ كله ..لمنتو ... ويبتسم صاحب الجكوار   ويزف بشراه  لقادته ... ويزف قادته البشرى  لمحميتهم السمينة .... تتهامس النسوة حول السالك .. . الوصيفات يلمحن لمنتو ... ومنتو لا تحتاج لتلميحهن... وينفث السالك دخان سيجرته بزهو وخيلاء ... يجفف العرق بالكلينكس ... وبيده هاتف نقال صغير به كاميرا وصور بالألوا ن... ينتعل نعل السيمار .. ورائحته باردة .. زكية ... باردة رائحة الشهداء ... دماءهم كالعطر ...أرواحهم كالنسيم ... ذكراهم آية في البلاء ... نبراس يهتدى ... يهتدى ....

في مساء  اليوم الموالي ... يتجول السالك في أحد شوارع مدينة العيون المحتلة فقيرا وشريدا  باحثا عن سيجارة ليدخنها قبل رؤية الحبيبة ....

أما الشعب الصحراوي فلا زال  يرقص على أغنية الجكوار التي ألفها المحتل الموريتاني ذاك الزمان احتفاءا  وتخليدا لطائرة الجكوار الفرنسية التي حمت الحكم الفاسد بموريتانيا .. وسيظل الشهيد الوالي ورفاقه مثالا حيا للمثالية  والثورية والفداء  ...

صيف العيون المحتلة

2004